أصبحت إدارة المياه من أهم العوامل التي تؤثر في نجاح المشاريع الزراعية، خصوصًا في المناطق التي تتفاوت فيها الأمطار من موسم إلى آخر. لذلك يتجه كثير من المزارعين إلى اختيار محاصيل وأصناف أكثر قدرة على الاستمرار في الظروف ذات المياه المحدودة، إلى جانب اعتماد تقنيات تساعد على رفع كفاءة استخدام المياه.
لكن من المهم توضيح أن المحصول المقاوم للجفاف لا يعني أنه لا يحتاج إلى الماء. فحتى الأشجار والنباتات التي تتحمل نقص المياه تحتاج إلى رطوبة مناسبة خلال مراحل معينة، خاصة أثناء التأسيس والإزهار وتكوين الثمار أو الحبوب.
وفي المغرب، تعمل مؤسسات بحثية مثل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة ICARDA والمعهد الوطني للبحث الزراعي INRA على تطوير واختبار أصناف أكثر ملاءمة للظروف الجافة، ومن بينها أصناف من القمح الصلب والشعير.
في هذا المقال على مدونة ماي نبات سنتعرف على مجموعة من المحاصيل المناسبة للمناطق الجافة وشبه الجافة، والعوامل التي يجب دراستها قبل اختيار المحصول، إضافة إلى تقنيات الري وإدارة التربة التي تساعد على الاستفادة من المياه المتاحة.
ما المقصود بالمحاصيل المتحملة للجفاف؟
المحصول المتحمل للجفاف هو نبات يمتلك صفات تساعده على الاستمرار والإنتاج بدرجات متفاوتة عندما تكون المياه محدودة مقارنة بمحاصيل أخرى.
وقد تكون هذه الصفات مرتبطة بعمق الجذور، أو سرعة إكمال دورة النمو، أو قدرة النبات على تنظيم فقدان الماء، أو قدرته الوراثية على تحمل الحرارة ونقص الرطوبة.
لكن التحمل يختلف من محصول إلى آخر ومن صنف إلى آخر.
كما أن المحصول نفسه قد يعطي نتائج مختلفة حسب:
- كمية الأمطار وتوزيعها.
- نوع التربة وعمقها.
- درجة الحرارة.
- توقيت الزراعة.
- الصنف المستخدم.
- مستوى خصوبة التربة.
- توفر الري التكميلي.
- طريقة إدارة الأرض.
لذلك لا يمكن اعتبار محصول معين مناسبًا لكل المناطق الجافة.
محاصيل تتحمل الجفاف
1. الزيتون
يُعد الزيتون من الأشجار المعروفة بقدرتها على التكيف مع مناخ البحر المتوسط، ولذلك تنتشر زراعته في مناطق عديدة من المغرب.
وتتميز الأشجار المعمرة بنظام جذري يساعدها على استغلال رطوبة التربة، لكن ذلك لا يعني إمكانية زراعتها دون مياه بصورة مطلقة.
خلال السنوات الأولى بعد الغرس تحتاج الشتلات إلى عناية مائية مناسبة حتى تتطور جذورها، كما يمكن أن يكون الري التكميلي مهمًا في البساتين البعلية خلال الفترات الحرجة.
كيف تنجح زراعة الزيتون في المناطق قليلة المياه؟
يبدأ النجاح من اختيار موقع مناسب وصنف متكيف مع الظروف المحلية.
ومن المهم أيضًا:
- اختيار شتلات جيدة.
- تجهيز التربة قبل الغرس.
- تجنب تجمع المياه حول الجذور.
- المحافظة على رطوبة التربة قدر الإمكان.
- استخدام الري التكميلي عند الحاجة.
- إدارة التقليم والتسميد وفق حالة الأشجار.
وقد أظهرت مشاريع ICARDA وشركائها في المغرب أن الري التكميلي يمكن أن يرفع إنتاجية المياه في زراعة الزيتون، خصوصًا عندما يُستخدم في الأوقات المناسبة بدل الاعتماد على الري الكامل.
2. الأركان
الأركان شجرة محلية مهمة في المغرب، وتتميز بقدرتها على العيش في بيئات جافة وشبه جافة.
وتشكل زراعة الأركان جزءًا من نظم زراعية وبيئية محلية، لكن نجاح غرس الأركان في مشروع جديد يتطلب دراسة الموقع والتربة والمناخ، وليس مجرد الاعتماد على كون الشجرة متحملة للظروف الجافة.
كما أن الأركان شجرة معمرة، ولذلك يختلف مشروعها عن المحاصيل السنوية من حيث فترة تأسيس الأشجار وموعد الاستفادة الاقتصادية منها.
3. الصبار والتين الشوكي
الصبار من النباتات المعروفة بقدرتها العالية على التعامل مع محدودية المياه، ولهذا يُستخدم في عدد من المناطق الجافة وشبه الجافة.
ويمكن الاستفادة منه في إنتاج الثمار والعلف وبعض المنتجات الأخرى.
لكن اختيار الصنف أصبح عاملًا مهمًا جدًا في المغرب، خصوصًا بسبب انتشار الحشرة القرمزية في بعض المناطق.
وقد عملت ICARDA وشركاؤها في المغرب على برامج تتعلق بالصبار، بما فيها تحديد أصناف أو أنماط وراثية مقاومة للحشرة وتطوير وسائل متكاملة للتعامل معها.
لذلك لا يكفي اختيار الصبار لمجرد تحمله للمياه المحدودة؛ بل يجب اختيار مادة نباتية مناسبة للمنطقة والهدف الإنتاجي.
4. الشعير
الشعير من أهم الحبوب التي يمكن أن تناسب الزراعة في المناطق ذات الأمطار المحدودة، ويُستخدم لإنتاج الحبوب والأعلاف.
وفي المغرب توجد برامج بحثية لتطوير أصناف تتحمل الظروف الجافة، وقد أطلقت INRA وICARDA عدة أصناف من الشعير ذات صفات مرتبطة بالتحمل والإنتاج في ظروف مختلفة.
ومن الأمثلة التي ذكرتها ICARDA أصناف Chiffa وAssiya وKhnata، مع اختلاف صفات كل صنف واستخداماته.
لذلك يجب اختيار الصنف وفق المنطقة وموعد الزراعة وهدف الإنتاج، وليس اعتماد اسم واحد لجميع المناطق.
5. القمح الصلب
يُعد القمح الصلب من أهم المحاصيل الحقلية في المغرب، لكنه يتأثر بدرجة كبيرة بتوزيع الأمطار ودرجات الحرارة.
ولهذا ركزت برامج البحث الزراعي على تطوير أصناف أكثر قدرة على التعامل مع الظروف المناخية المتغيرة.
ومن الأمثلة الحديثة صنف Jawahir الذي أطلق في المغرب عام 2023، وتم تطويره من مواد وراثية تشمل أقارب برية للقمح بهدف تحسين القدرة على التعامل مع الظروف الجافة.
كما توجد أصناف أخرى مثل Nachit طُورت لتكون أكثر ملاءمة للظروف الجافة المغربية، مع صفات مرتبطة بالجذور ودورة النمو.
لكن حتى الأصناف المتحملة للجفاف لا تضمن إنتاجًا ثابتًا في جميع المواسم؛ إذ أظهرت الدراسات أن كمية الأمطار وتوزيعها خلال الموسم يمكن أن يكون لهما تأثير كبير في إنتاج القمح.
6. الخروب
الخروب من الأشجار التي يمكن أن تتكيف مع الظروف المتوسطية وشبه الجافة بعد مرحلة التأسيس.
وتتميز شجرته بإمكانية الاستفادة من الثمار في مجالات غذائية وصناعية وعلفية.
لكن إنشاء بستان خروب يحتاج إلى اختيار موقع مناسب، وشتلات جيدة، وتدبير مناسب للمياه خلال السنوات الأولى.
كما يجب دراسة الصنف والتلقيح والإنتاج المتوقع قبل إنشاء مشروع تجاري كبير.
7. اللوز والتين
يمكن أن يدخل اللوز والتين ضمن الخيارات المناسبة لبعض المناطق الجافة وشبه الجافة، لكن درجة التحمل تختلف بين الأصناف والظروف المحلية.
اللوز
يمكن لبعض أصناف اللوز التأقلم مع البيئات المتوسطية ذات المياه المحدودة، لكن الإنتاج التجاري يتأثر بتوفر المياه، خصوصًا خلال المراحل الحساسة من دورة الإنتاج.
لذلك يجب اختيار الصنف وفق المناخ المحلي وموعد الإزهار واحتياجات البستان.
التين
يتميز التين بقدرته على التأقلم مع ظروف متوسطية مختلفة، ويمكن زراعته في مناطق ذات موارد مائية محدودة عندما تكون التربة والمناخ مناسبتين.
ومع ذلك فإن توفر المياه في الفترات المهمة يمكن أن يؤثر في حجم الثمار والإنتاج.
هل تريد معرفة كمية السماد المناسبة لأشجارك؟ استخدم حاسبة تسميد الأشجار المجانية للحصول على تقدير سريع لكمية السماد المناسبة وتجنب الإفراط أو النقص في التسميد.
🔗 احسب كمية السماد من هنا: [حاسبة تسميد الأشجار]
هل المحاصيل المتحملة للجفاف تحتاج إلى الري؟
نعم، في كثير من الحالات.
الخطأ هو اعتبار كلمة متحمل للجفاف مساوية لعبارة لا يحتاج إلى الماء.
هناك فرق بين:
- محصول يستطيع الاستمرار مع كمية محدودة من المياه.
- محصول يعطي إنتاجًا اقتصاديًا مرتفعًا عند توفر المياه.
- محصول يستطيع البقاء في ظروف قاسية لكنه يعطي إنتاجًا منخفضًا.
في المشاريع التجارية، الهدف ليس فقط بقاء النبات، وإنما تحقيق إنتاج مناسب مقارنة بالمياه والتكاليف المتاحة.
ولهذا قد يكون الري التكميلي أكثر فائدة من محاولة توفير الماء بالكامل.
وتوضح تجارب ICARDA أن كميات محدودة من الري التكميلي في بعض أنظمة الحبوب بالمغرب يمكن أن تحسن الإنتاجية مقارنة بالزراعة المطرية وحدها.
الري بالتنقيط في المناطق الجافة
يُستخدم الري بالتنقيط في العديد من المشاريع الزراعية لأنه يسمح بإيصال المياه بالقرب من منطقة الجذور والتحكم في توقيت وكميات الري.
لكن تركيب شبكة تنقيط وحده لا يجعل المشروع موفرًا للمياه تلقائيًا.
يجب ضبط:
- عدد النقاطات.
- تصريف النقاطات.
- مدة الري.
- توقيت الري.
- توزيع المياه.
- ضغط الشبكة.
- احتياجات المحصول.
- نوع التربة.
وفي المشاريع الحديثة يمكن دمج شبكة الري مع أجهزة قياس رطوبة التربة والبيانات المناخية للمساعدة في اتخاذ قرار الري.
وتعمل ICARDA في المغرب أيضًا على تقنيات ري بالتنقيط منخفضة الطاقة، ضمن جهود تحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة.
تحسين التربة للاحتفاظ بالمياه
اختيار المحصول وحده لا يكفي.
إدارة التربة لها دور مهم في الاستفادة من الأمطار والري.
ومن الممارسات التي يمكن دراستها حسب الموقع:
- إضافة المادة العضوية المناسبة.
- المحافظة على بقايا النباتات عندما يكون ذلك ملائمًا.
- تقليل اضطراب التربة.
- استخدام التغطية النباتية أو العضوية المناسبة.
- الحد من انجراف التربة.
- تحسين بنية التربة.
- تجنب الري الزائد.
وتشير أبحاث ICARDA في الزراعة المحافظة بالمناطق الجافة المغربية إلى فوائد مرتبطة بتحسين بنية التربة وكفاءة استخدام المياه والمحافظة على رطوبة التربة في أنظمة معينة.
اختيار المحصول حسب المنطقة
قبل زراعة أي محصول متحمل للجفاف، يجب طرح مجموعة من الأسئلة:
كمية الأمطار السنوية: هل يعتمد المشروع بالكامل على الأمطار أم توجد مياه للري التكميلي؟
نوع التربة: هل التربة عميقة أم سطحية؟ وهل تصريفها مناسب؟
هدف المشروع: هل الهدف إنتاج الثمار، الحبوب، الزيت، العلف أم منتج آخر
مدة المشروع: المحاصيل السنوية تختلف تمامًا عن الأشجار المعمرة.
السوق: هل توجد قنوات تسويق للمنتج في المنطقة؟
الصنف: هل الصنف معتمد ومناسب للمنطقة؟
المياه المتاحة: ما كمية المياه التي يمكن توفيرها خلال الموسم؟
هذه الأسئلة أهم من اختيار محصول لمجرد أنه يوصف بأنه مقاوم للجفاف.
الزراعة المحافظة في المناطق قليلة المياه
يمكن أن تكون الزراعة المحافظة جزءًا من استراتيجية إدارة الأراضي في المناطق الجافة.
وتشمل مبادئها تقليل اضطراب التربة، والمحافظة على غطاء التربة، وتنويع الدورة الزراعية عندما تكون الظروف مناسبة.
وتشير أعمال ICARDA في المغرب إلى أن الزراعة المحافظة يمكن أن تساعد على تحسين خصائص التربة وكفاءة استخدام المياه في الأنظمة الزراعية الجافة.
وفي الحبوب، يمكن أن تكون إدارة موعد الزراعة والكثافة والصنف والتسميد والري التكميلي مجتمعة أكثر أهمية من الاعتماد على عامل واحد فقط.
هل يمكن الجمع بين أكثر من محصول؟
نعم، يمكن في بعض المشاريع تنويع الإنتاج بدل الاعتماد على محصول واحد.
على سبيل المثال يمكن أن يجمع المشروع بين الأشجار المعمرة والمحاصيل الحقلية أو العلفية، بشرط أن تكون احتياجات النباتات متوافقة وألا يؤدي ذلك إلى منافسة شديدة على الماء.
كما يمكن استخدام دورات زراعية مناسبة في أنظمة الحبوب، وقد أشارت ICARDA إلى أهمية تنويع المحاصيل والدورات التي تجمع بين محاصيل غذائية وعلفية ضمن نظم المناطق الجافة.
أخطاء يجب تجنبها عند الزراعة في المناطق الجافة
اختيار المحصول دون دراسة المنطقة
ليس كل محصول متحمل للجفاف مناسبًا لكل تربة أو مناخ.
الاعتماد على اسم الصنف فقط
قد تختلف النتائج بين المناطق حتى عند استخدام الصنف نفسه.
تجاهل مرحلة تأسيس الأشجار
الأشجار المتحملة للجفاف تحتاج غالبًا إلى إدارة جيدة للمياه خلال مرحلة التأسيس.
اعتبار الري بالتنقيط حلًا كاملًا
كفاءة الشبكة تعتمد على تصميمها وضبطها وإدارتها.
إهمال التربة
التربة الجيدة الإدارة تساعد على الاستفادة من مياه الأمطار والري بصورة أفضل.
زراعة مساحة كبيرة دون تجربة
من الأفضل في المشاريع الجديدة اختبار المحصول والصنف في مساحة محدودة أولًا، ثم تقييم النمو والإنتاج واستهلاك المياه والسوق قبل التوسع.
هل الزراعة المقاومة للجفاف مناسبة لمشروع تجاري؟
يمكن أن تكون مناسبة، لكن الربحية لا تعتمد على تحمل المحصول للجفاف فقط.
يجب حساب:
- تكلفة الأرض.
- تكلفة الشتلات أو البذور.
- تجهيز التربة.
- شبكة الري إن وجدت.
- الأسمدة.
- العمالة.
- تكاليف الحصاد.
- التخزين والنقل.
- سعر البيع.
- الإنتاج المتوقع.
- كمية المياه المتاحة.
كما يجب وضع سيناريو للمواسم ذات الأمطار الضعيفة بدل بناء دراسة المشروع على متوسط سنة واحدة.
الخلاصة
اختيار محاصيل متحملة للجفاف يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية زراعية مناسبة للمناطق ذات المياه المحدودة، لكن النجاح لا يعتمد على اسم المحصول وحده.
في المغرب توجد خيارات متعددة يمكن دراستها، منها الزيتون، الأركان، الصبار، الشعير، القمح الصلب، الخروب، اللوز والتين، مع اختلاف كبير في ملاءمة كل محصول حسب المنطقة والصنف ونظام الإنتاج.
كما أن اختيار الأصناف المتحملة، وتحسين إدارة التربة، واستخدام الري التكميلي عند الحاجة، واعتماد تقنيات الري المناسبة يمكن أن
يساعد في تحسين كفاءة استخدام المياه.
والأهم هو عدم اعتبار أي محصول «بدون ري»، بل اختيار نظام إنتاج يتناسب مع كمية المياه المتاحة والظروف المناخية والتربة والسوق.
مدونة ماي نبات تقدم معلومات زراعية تساعد المزارعين على فهم الخيارات المتاحة وتقييمها قبل بدء المشروع.
